قراءة علمية في التفاعل بين العوامل الوراثية والبيئية
بقلم: خالد رغدان أخصائي نفسي
يُعد سؤال “هل الأمراض النفسية وراثية؟” من أكثر الأسئلة تداولا في الممارسة الإكلينيكية وفي الأوساط المجتمعية وقد أسهم التقدم في علم الوراثة النفسية خلال العقود الأخيرة في تقديم فهم أكثر دقة لهذا الموضوع، إذ تشير الأدلة العلمية إلى أن معظم الاضطرابات النفسية لا تنتج عن عامل وراثي منفرد وإنما تنشأ نتيجة تفاعل معقد بين الاستعداد الجيني والعوامل البيئية والنفسية والاجتماعية.
وتستعرض هذه المقالة أبرز الأدلة العلمية المتعلقة بدور الوراثة في الاضطرابات النفسية، مع توضيح مفهوم الوراثة اللاجينية (Epigenetics) وأهميته في تفسير العلاقة الديناميكية بين الجينات والبيئة.
الوراثة في الاضطرابات النفسية
تؤكد الدراسات الحديثة أن غالبية الاضطرابات النفسية تُصنف ضمن الاضطرابات متعددة العوامل (Multifactorial Disorders)، أي أنها لا تنتج عن جين واحد، وإنما عن مساهمة عدد كبير من المتغيرات الجينية، إلى جانب تأثير العوامل البيئية المختلفة (Smoller et al., 2019).
وقد أظهرت دراسات التوائم والتبني أن نسبة التوريث تختلف باختلاف نوع الاضطراب؛ إذ تبلغ في اضطراب الفصام نحو 70–80%، وفي الاضطراب ثنائي القطب نحو 60–80%، بينما تتراوح في الاكتئاب بين 30–40%، وفي اضطرابات القلق بين 20–40%.
وتشير هذه النسب إلى مقدار مساهمة الاختلافات الجينية بين الأفراد في تفسير التباين في قابلية الإصابة داخل المجتمع، ولا تعني أن المرض سينتقل حتمًا من الوالدين إلى الأبناء (Sullivan et al., 2018؛ McGuffin et al., 2003).
الجينات ليست قدرا محتوما
من الأخطاء الشائعة تفسير وجود تاريخ عائلي للمرض النفسي على أنه دليل على حتمية الإصابة، إلا أن الأبحاث الحديثة تؤكد أن الاستعداد الوراثي يمثل قابلية بيولوجية فقط، بينما يتوقف ظهور الاضطراب على عوامل أخرى تشمل الضغوط النفسية، والصدمات وأساليب التنشئة وجودة العلاقات الاجتماعية، ونمط الحياة والحالة الصحية العامة (Caspi et al., 2003).
وبعبارة أخرى، قد يحمل شخصان الاستعداد الجيني نفسه، إلا أن أحدهما يُصاب بالاضطراب، بينما يظل الآخر سليمًا نتيجة اختلاف الظروف البيئية والنفسية المحيطة به.
الوراثة اللاجينية: كيف تؤثر البيئة في الجينات؟
يُعد علم الوراثة اللاجينية (Epigenetics) من أبرز التطورات العلمية في العقود الأخيرة، إذ يوضح أن الخبرات الحياتية لا تغير تسلسل الحمض النووي (DNA)، لكنها قد تؤثر في طريقة التعبير عن الجينات من خلال آليات كيميائية تنظم نشاطها.
وقد بينت الدراسات أن التعرض المستمر للضغوط النفسية، أو الإساءة في الطفولة، أو الصدمات، قد يؤدي إلى تغيرات لاجينية تؤثر في أنظمة تنظيم التوتر والانفعال، بينما تسهم البيئات الداعمة، والعلاقات الآمنة، والنشاط البدني، والنوم الجيد، في تعزيز عوامل الحماية النفسية (Meaney & Szyf, 2005؛ Nestler et al., 2016).
الوقاية والتدخل المبكر
تشير الأدلة العلمية إلى أن وجود استعداد وراثي لا يمنع فعالية التدخلات الوقائية. فقد أثبتت البرامج التي تستهدف تعزيز المرونة النفسية وتنمية مهارات التكيف والعلاج المبكر وتقليل الضغوط المزمنة وتحسين جودة الحياة، قدرتها على خفض احتمالية ظهور الاضطرابات النفسية أو الحد من شدتها لدى الأفراد الأكثر عرضة للإصابة (Fusar-Poli et al., 2020).
يتفق الإجماع العلمي الحالي على أن الأمراض النفسية ليست وراثية بالمعنى الحتمي وليست بيئية بالمعنى المطلق وإنما هي نتيجة تفاعل مستمر بين العوامل الوراثية والبيئية عبر مراحل الحياة ومن ثم، فإن وجود تاريخ عائلي للاضطرابات النفسية ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه عاملا يستدعي تعزيز الوقاية والكشف المبكر، لا سببا للوصمة أو الخوف أو اليأس.
إن الفهم العلمي الحديث يؤكد أن الجينات قد تهيئ الطريق، لكن البيئة والخبرات الحياتية تحددان إلى حد بعيد كيفية السير فيه.