You are currently viewing قصة قصيرة حصاد السنين
قصة قصيرة حصاد السنين

قصة قصيرة حصاد السنين

بقلم: احمد كوياتي

في أزقة الدرعية القديمة، وحيث يتداخل عبق التاريخ بطين الأرض وندى الصباحات البعيدة، كان هناك ثلاثة أطفال يركضون خلف أحلامهم الغضة بنقاء يسع المدى، وهم محمد الشامان وبيشان البيشان وعبد الله راجس. لم يكن في جعبتهم سوى شغف بريء، تدحرجه أقدامهم الحافية فوق الثرى، فيرتد الصدى واعدا بغد مشرق. كانت تلك الأيام تخبئ في طياتها ملامح فجر جديد، فجر تلألأ نوره حين احتضنهم ذلك الكيان الشامخ، ليتجاوزوا عتبة الطفولة اللاهية إلى آفاق الانتماء الحقيقي، ويصبحوا جزءا من نبض الفريق الذي صاغ للمجد فصولا.


​لم تكن البدايات مفروشة بالورود، بل كانت أشبه بنحت في الصخر الأصم. تحت شمس الهجير، وفي الميادين التي شهدت على بزوغ شمس عامي تسعة وسبعين وستة وتسعين للهجرة، وقف كادر مخلص من البناة الأوائل، رجال وهبوا أعمارهم لغرس الروح العالية وتشذيب الطموح. كانوا يرقبون الخطوات الصغيرة بعيون ملؤها الأمل، ويوجهون السعي بتدريبات مستمرة لا تعرف الكلل ولا اللين. كان الكادر يسكب من روحه وعرقه ليصنع من أولئك الصغار رجالا يقوون على مقارعة الصعاب، فصارت الساحات مدرسة للصبر قبل أن تكون مجالا للعب.


​مرت الأيام محملة بالتحديات والخطوب، وواجه الفريق عقبات كادت تطفئ السراج لولا صلابة القلوب وعزيمة الرجال. سال العرق واشتدت الأزمات، لكن أولئك الفتية صمدوا صمود النخيل في وجه العواصف، مستمدين قوتهم من إرث الأرض التي يقفون عليها، ومن توجيهات معلميهم الذين لم يتركوهم لحظة واحدة للتشاؤم أو التراجع. كان كل تعثر يتبعه نهوض أقوى، وكل دمعة إحباط تتحول في اليوم التالي إلى شرارة إصرار، حتى استحال الصغار الأبرياء أبطالا يشار إليهم بالبنان، ويحملون على عواتقهم لواء النصر.


​واليوم، إذ يسطع نجم الدرعية في آفاق دوري راشد السعودي، يتجلى حصاد السنين وثمار الكفاح المرير في أبهى صورة. إن هذا الصعود الكبير ليس مجرد فوز عابر، بل هو ترنيمة وفاء لكل يد درعية وافية خططت ودربت، ولكل قلب نابض صمد في الميدان ورفض الانكسار. هنيئا لهؤلاء الأبطال الذين تحولوا من براعم بريئة إلى قامات سامقة، وتحية إجلال وتقدير لذلك الكادر التاريخي العظيم الذي أرسى القواعد، وللفريق بأكمله وهو يكتب بمداد من نور صفحة جديدة من صفحات مجده الخالد.

اترك تعليقاً